صديق الحسيني القنوجي البخاري
386
فتح البيان في مقاصد القرآن
تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً أي حال دعائكم له دعاء تضرع وخفية أو متضرعين ومخفين والمراد بالتضرع هنا دعاء الجهر قائلين لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ الشدة التي نزلت بنا وهي الظلمات المذكورة لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ له على ما أنعم به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد ، قال ابن عباس : أي من كرب البر والبحر ، وإذا ضل الرجل الطريق دعا اللّه لئن أنجانا الآية . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 64 إلى 66 ] قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ ( 64 ) قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ( 65 ) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ( 66 ) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ قرىء مشددا ومخضففا وقراءة التشديد تفيد التكثير وقيل معناهما واحد والضمير في مِنْها راجع إلى الظلمات وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ بإعادة الجار وهو واجب عند البصريين ، والكرب الغم الشديد يأخذ النفس ومنه رجل مكروب . ثُمَّ أَنْتُمْ بعد أن أحسن اللّه إليكم بالخلاص من الشدائد وذهاب الكروب تُشْرِكُونَ بعبادته تعالى شركاء لا ينفعونكم ولا يضرونكم ولا يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم ، فكيف وضعتم هذا الشرك ، وضع ما وعدتم به عن أنفسكم من الشكر . قُلْ أمره اللّه سبحانه أن يقول لهم هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً أي الذي قدر على إنجائكم من تلك الشدائد ودفع عنكم تلك الكروب قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة وكرب يبعث عذابه عليكم من كل جانب مِنْ فَوْقِكُمْ كالمطر والصواعق والقذف والحجارة والريح والطوفان أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ كالخسف والرجفة والزلازل والغرق وقيل من فوقكم يعني أمراء الظلمة وأئمة السوء ومن تحت أرجلكم السفلة وعبيد السوء قاله ابن عباس ، وعن الضحاك نحوه . أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً من لبس الأمر إذا خلطه وقرىء بضم الياء أي يجعل ذلك لباسا لكم قبل والأصل أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين مع حرف الجر كما في قوله تعالى : وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [ المطففين : 3 ] والمعنى يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي الآراء وقيل يجعلكم فرقا يقاتل بعضكم بعضا . والشيع جمع شيعة أي الفرق وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع ، وأصله من التشيع وفي القاموس شيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره والفرقة على حده وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث ، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصة ، والجمع أشياع وشيع كعنب انتهى قال مجاهد يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف .